عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

81

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

لسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وتعظيما كما قال : سأعبد اللّه لا أرجو مثوبته * لكن تعبد إجلال وإعظام والثالثة : محبة أخص الخواص ، وهي الغاية القصوى للعبد ولا غاية لها وهي محبة خاطفة تقطع العبارة وتدفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت وهذه بخلاف المحبتين الأوليين إذ ليست هي منشأة من رؤية النعم والإحسان التي هي من باب الأفعال ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال ، بل جذبة من جذبات الحق المنشاة من المحبة القديمة في سر « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية . كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [ الأنبياء : 101 ] وقد أنعم اللّه عليهم بمحبته لهم في الأزل بلا علة بل الحسنى منهم في حقهم وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] إشارة منه إلى أنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أولا فمحبتهم له أيضا نعمة منه بالتوفيق لهم بمحبته وذلك أن محبته لهم كانت في الأزل من غير علة فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم فجذبتها إليه وأفنتهم عن أنفسهم فدخلوا الدنيا على تلك الصفة . قال بعضهم : عذبنا بالمحبة يوم قالت * له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة المحبة أن يفنى المحب بسطواتها وتبقى المحبة منه بلا هو ، كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو فإن المحبة نار لا تبقى ولا تذر . وأما درجات محبة اللّه للعبد : فاعلم أن كل صفة من صفات اللّه سبحانه وتعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا تشبه حقيقتها حقيقة أوصاف الخلق البتة ، حتى الوجود الذي يعم الخالق والمخلوق جميعا ، وذلك أن وجود الخلق مسبوق بالعدم ووجود الخالق واجب لنفسه ووجود كل ما سواه مستفاد منه . ومن دقق النظر علم أن ليس في الكون إلا اللّه وأفعاله منه فكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده . قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] فقال : بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه على معنى أنه ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعته ، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .